ابن أبي الحديد

62

شرح نهج البلاغة

المسير وعقد رسول الله صلى الله عليه وآله لهم اللواء بيده دفعه إلى زيد بن حارثة ، وهو لواء أبيض ، ومشى الناس إلى أمراء رسول الله صلى الله عليه وآله يودعونهم ويدعون لهم وكانوا ثلاثة آلاف ، فلما ساروا في معسكرهم ناداهم المسلمون : دفع الله عنكم ، وردكم صالحين سالمين غانمين ، فقال عبد الله بن رواحة : لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا ( 1 ) أو طعنة بيدي حران مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا ( 2 ) حتى يقولوا إذا مروا على جدثي * يا أرشد الله من غاز فقد رشدا ( 3 ) قلت : اتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة كان هو الأمير الأول ، وأنكرت الشيعة ذلك ، وقالوا كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأول ، فإن قتل فزيد بن حارثة ، فإن قتل فعبد الله بن رواحة ، ورووا في ذلك روايات ، وقد وجدت في الاشعار التي ذكرها محمد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم ، فمن ذلك ما رواه عن حسان بن ثابت وهو : تأوبني ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر ( 4 ) لذكرى حبيب هيجت لي عبرة * سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية ( 5 ) * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر ! فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا * جميعا وأسياف المنية تخطر

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 3 : 429 . ذات فرغ ، أي واسعة ، والزبد ، أصله ما يعلو الماء إذا غلا ، وأراد هنا ما يعلو الدم الذي ينفجر من الطعنة . ( 2 ) مجهزة : سريعة القتل ، وتنفذ الأحشاء : تخرقها وتصل إليها . ( 3 ) ابن هشام : " وقد " . ( 4 ) ديوانه 179 - 181 ، وسيرة ابن هشام 3 : 440 - 442 . تأوبني : عاودني ورجع إلي ، ومسهر : داع إلى السهر . ( 5 ) الديوان : " بلاء وفقدان الحبيب " .